ابن بسام

239

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

وله من أخرى في مثله : من عهد - أعزّك اللّه - أنس فنائك ، وحسن اعتنائك ، وألف برد أفيائك ، ولين أرجائك ، لم يحبسه عنك سكن ولا وطن ، ولا لذّ له في غير حجرك وظلّك وسن ، فمولى الجميل محبوب ، ومكان الأنس مطلوب ، والنفوس على علمك تلتمس الرجحان « 1 » ، وتعتمد الفضل حيث كان . وفلان ، ممّن قيّده إحسانك ، واستعبده امتنانك ، فهو لا يعدل بك أحدا ، ولا يحلّ عن عصمة تأميلك يدا ، فإذا بعد عن جنابك لم يسغ له قرار ، ولا اطمأنّت به دار ، وقد بعثه صدق الانقطاع إليك على حسم العلق الموجبة لبعده عن ظلّ جناحك ، وأنس التماحك ، ولم يبق له في غير مكانك سيب « 2 » يجذبه ، ولا أمل يصدقه أو يكذبه ، وأنت بمجدك توالي اصطناعه ، وتراعي انقطاعه ، وتلحظ بعين تهمّمك ضياعه . / وله فصل من جواب خاطب به بعض الأدباء الشّعراء : وردتني لك قطعتان من القريض ، كقطع الروض الأريض ، أو نغم معبد والغريض ، تبسّمتا عن ثغر وفاء ، وأهدتا إليّ روح شفاء ، فأشعلت بذكر تهمّمك مجمرا ، ووضعت عليه من ثنائي ندّا وعنبرا ، ورأيت ما ذكرته من إزماعك على الرحيل ، واستجماعك لركوب ظهر السبيل ، فاسترجعت بذكر البين ، ما وهبت من أنس السّعدين ، واللّه يردّ ذلك الصعب ذلولا ، والحزن سهولا ، ولا يعدمك ممّن ترجوه ترحيبا وتسهيلا . وله أيضا من جواب على كتاب في مثله : تكلفت المراجعة وحسي القريحة مثمود ، وفي جوّ الذهن ركود وجمود ، وبين أثناء الضمائر خطوب مثول ، وفي صفائح الخواطر ثلوم « 3 » وفلول ، وما قصدت معارضة التبريز بالتقصير ، ولا حاولت مناهضة الخطو الوساع بالباع القصير ، وإني لممن ينصف ويعترف ، ويرى مدى السابق فيقف ، ولست ممّن يجهل فضل ما بين النّبع والغرب ، ويذهل عن فرق ما بين الشّبه والذهب ، على أنّ عذري في الصناعة مقبول ، وذنبي في ساحة القريض محمول ، فإنّي لم أقرع له بابا ، ولا شددت به عصابا ، وإنما يعدّ من أهله ، من سلك مضايق سبله ، ويكتب في فرسانه ، من تصرّف في ميدانه .

--> ( 1 ) م : الرهان . ( 2 ) د ل ك : سبب . ( 3 ) ط م ل : ثلم .